ابن ميثم البحراني

314

شرح نهج البلاغة

بحسب حسن استعداد مزاجه وقوّة عقله الطفوليّ . ثمّ أشار في ذكر معرض أحواله معه إلى تربية الملك له صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ليعلم أنّه حصل بتبعيّته له على تلك المكارم ، وممّا روى في حاله مع الملك وعصمته به ما روى الباقر محمّد بن عليّ عليهما السّلام أنّه قال : وكَّل اللَّه بمحمّد صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ملكا عظيما منذ فصل عن الرضاع يرشده إلى الخيرات ومكارم الأخلاق ويصدّه عن الشرّ ومساوي الأخلاق وهو الَّذي كان يناديه السلام عليك يا محمّد يا رسول اللَّه وهو شابّ لم يبلغ درجة الرسالة بعد فيظنّ أنّ ذلك من الحجر والأرض فيتأمّل فلا يرى شيئا . وروى أنّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم قال : أذكر وأنا ابن سبع سنين وقد بنى ابن جدعان دارا بمكَّة فجئت مع الغلمان نأخذ التراب والمدر في حجورنا فننقله فملأت حجري ترابا فانكشفت عورتي فسمعت نداء من فوق رأسي يا محمّد أرخ إزارك فجعلت أرفع رأسي فلا أرى شيئا إلَّا أنّني أسمع الصوت فتماسكت ولم أرخه فكأنّ إنسانا ضربني على ظهري فخررت لوجهي فانحلّ إزاري فسترني وسقط التراب إلى الأرض فقمت إلى دار عمّى أبي طالب ولم أعد . الرابعة : أشار إلى اتّباعه له وملازمته إيّاه بقوله : ولقد كنت أتبعه اتّباع الفصيل أثر أُمّة . ووجه الشبه في اتّباعه كونه لا ينفكّ عنه كالفصيل لامّه . الخامسة : أشار إلى ثمرة ذلك الاتّباع بقوله : يرفع لي في كلّ يوم علما من أخلاقه ويأمرني بالاقتداء به . واستعار لفظ العلم لكلّ من أخلاقه باعتبار كونه هاديا إلى سبيل اللَّه كما يهدى العلم . السادسة : أنّه كان يجاور معه في كل سنة بحراء فيراه دون غيره ، وروى في الصحاح : أنّه كان صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم يجاور بحراء في كلّ سنة شهرا وكان يطعم في ذلك الشهر من جاءه من المساكين فإذا قضى جواره انصرف إلى مكَّة وطاف بها سبعا قبل أن يدخل بيته حتّى جاءت السنة الَّتي أكرمه اللَّه فيها بالرسالة فجاء في حراء في شهر رمضان ومعه أهله خديجة وعليّ وخادم . وروى الطبريّ وغيره : أنّ رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم قبل مبعثه كان إذا حضرت الصلاة يخرج إلى شعاب مكَّة ويخرج معه عليّ مستخفين عن أبي طالب ومن سائر أعمامه وقومه يصلَّيان الصلاة فإذا أمسيا